حكم أخذ الربا لصرفه في أوجه الخير

السؤال

شاب يدرس في أمريكا ويضع أمواله اضطراراً في بنوك ربوية، ولذا فالبنك يعطيه فائدة؛ فهل له أن يأخذها ويصرفها على أوجه الخير ؟ لأنه إن لم يأخذها فسيستفيد البنك منها .

الجواب

أولاً: أقول لا يجوز للإنسان أن يضع ماله في تلك البنوك؛ لأن هذه البنوك إذا أخذت المال فسوف تنتفع به، وتتجر به، ومعلوم أنه لا ينبغي أن نسلط الكفار على أموالنا يكتسبون من ورائها، فإن دعت الضرورة الى ذلك بحيث يخشى الإنسان على ماله أن يسرق أو ينهب، بل ربما أن يخشى على نفسه أن يقتل ليؤخذ ماله - فلا بأس أن يضعها في هذه البنوك للضرورة، ولكن إذا وضعها للضرورة فلا يجوز أن يأخذ شيئاً في مقابل هذا الوضع، ويحرم عليه أن يأخذ شيئاً؛ لأنه إذا أخذ شيئاً فإنه يكون ربا، وإذا كان ربا فقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ *} [سورة البقرة]، والآية صريحة وواضحة بألا نأخذ شيئاً منها .
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في أكبر جمع للمسلمين، وقال: ألا وإنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ - أي مُهْدَر، فالربا الذي تم عقده قبل الإسلام وضعه النبي صلى الله عليه وسلم : - وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ.
فإن قلت: إنك إذا لم تأخذه سلطت هؤلاء القوم على مالك فأخذوه وجعلوه في الكنائس، وفي المعدات الحربية التي يقاتلون بها المسلمين.
فالجواب: أنني إذا امتثلت أمر الله بترك الربا فما ينتج عن ذلك ليس من عملي، فأنا مأمور ومطالب بامتثال أمر الله عز وجل، وإذا نتج عن ذلك مفاسد فليس من شغلي، فعندي أمر مقدم من الله: {اتَّقُوا...} [سورة البقرة، من الآية: 278].
ثانياً: نقول: هل هذه الفائدة التي أعطيتها .. هل هي من مالي ؟
الجواب: إنها ليست من مالي؛ لأنه من الجائز أن يعملوا بمالي فيتجروا به فيخسروا، فليست هذه الفائدة التي أعطيتها ليست نماء ملكي بالتأكيد، بل قد يربحونها، أو يربحون أكثر منها، أو لا يربحون شيئاً من مالي، فلا يقال: إن سلطتهم على شيء من مالي يذهبون به إلى الكنائس، أو إلى شراء الأسلحة ضد المسلمين .
ثالثاً: أن نقول: إن في أخذ هذا وقوع فيما يقر به الإنسان أنه ربا؛ لأن هذا الرجل سيقر يوم القيامة أمام الله بأنه ربا، فإذا كان ربا فهل يمكن الإنسان أن يعلل الشيء بالمصلحة مع اعتقاده بأنه ربا ؟ الجواب: لا؛ لأنه لا قياس في مقابلة النّص .
رابعاً: وهل من المؤكد أن يصرفوا هذه الفائدة إلى ما ذكرت من مصالح الكنائس أو إلى المعدات الحربية ضد المسلمين ؟
الجواب: أنه ليس من المؤكد ذلك . إذن .. فإذا أخذناه فإننا نكون قد وقعنا في محظور محقق اتقاء مفسدة موهومة، والعقل يمنع من ذلك؛ أي: يمنع أن يرتكب الإنسان مفسدة محققة لدفع مفسدة موهومة قد تكون، أو لا تكون؛ إذ من الجائز أن البنك يأخذ هذه الفائدة لمصلحته هو، ومن الجائز أن موظفي البنك يأخذونها لمصلحتهم هم أنفسهم، وليس من المؤكد أن تذهب إلى الكنائس أو المعدات الحربية ضد المسلمين .
خامساً: أنك إذا أخذت هذه التي تزعم أنها فائدة بنية أنك سوف تنفقها وتخرجها من ملكك تخلصاً منها؛ فمعنى ذلك أنك لطخت نفسك بالسيئة لتحاول التطهر منها، وهذا ليس منطقاً عقلياً. فنقول: تجنب السيئة أولاً قبل أن تتلطخ بها ثم تحاول أن تتطهر منها. وهل من المعقول أن الإنسان يعرض ثوبه للبول من أجل أن يطهره إذا أصابه البول ؟! أبداً ليس هذا من المعقول؛ ما دمت أنك تعتقد أن هذا حرام وربا ثم تقوم بأخذه والتصدق به والتبرؤ منه؛ فنقول: لا تأخذه أصلاً، ونزِّه نفسك عنه .
سادساً: نقول: إذا أخذه الإنسان بهذه النية فهل هو على يقين من أنه سيغلب نفسه فيتخلص منه بصرفه في صدقات أو في مصالح عامة ؟ كلاّ؛ إذ من الجائز أن يأخذه بهذه النية، لكن إذا قام القلب يفيده، وحدثته نفسه إذا وجد أنها ربطات كبيرة كمليون، أو مائة ألف بأن ينظر في الأمر، فكان في بداية الأمر عازماً، ثم يتحول العزم إلى النظر في الموضوع، وبعد النظر في الموضوع يتحول إلى: إدخاله في الصندوق . فالإنسان لا يأمن على نفسه، فقد يأخذ بهذه النية، ولكن ينتقض العزم عندما يرى هذه الربطات الكثيرة من الفلوس، فيشح ويعجز أن يخرجها .
ولقد ذكر لي: أن بعض البخلاء في يوم من الأيام صعد على السطح، ووضع أصبعيه في أذنيه، وصاح لجيرانه: أنقذوني، أنقذوني؛ ففزع الجيران، وجاؤوا إليه: ما بالك يا أبا فلان ؟ فقال: لقد عزلت زكاتي عن مالي لأخرجها، لكني وجدتها كثيرة، وقالت لي نفسي: إنه إذا أخذها غيرك نقص مالك فأنقذوني منها .
سابعاً: إن أخذ الربا تشبه باليهود الذين ذمهم الله تعالى في قوله:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا *وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *} [سورة النساء].
ثامناً: إن في أخذ الربا إضراراً وطعناً في المسلمين؛ فإن علماء النصارى وعلماء اليهود يعلمون أن الدين الإسلامي يحرم الربا، فإذا أخذها هذا المسلم قالوا: هاكم: المسلمون كتابهم يحرم عليهم الربا وهم يأخذونه منا، ولا شك أن هذا موطن ضعف بالنسبة للمسلمين، فإن أعداء المسلمين إذا عرفوا أن المسلمين خالفوا دينهم علموا علم اليقين أن هذه نقطة ضعف؛ لأن المعصية لا تؤثر في المسلمين على العاصي فقط؛ بل على الإسلام كله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *} [سورة الأنفال] . وها هم الصحابة رضي الله عنهم وهم حزب الله وجنوده مع أشرف بشر خرج للناس محمد صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد حصل منهم معصية واحدة؛ فماذا حصل ؟ الهزيمة بعد النصر؛ قال تعالى: {حَتَّى...} [سورة آل عمران، من الآية: 152 ] أي: حصل ما تكرهون .
فالمعاصي لها تأثير عظيم في تأخر المسلمين، وتسلّط أعدائهم عليهم، وانهزامهم أمامهم، وإذا كان النصر بعد وجوده يذهب بالمعصية، فما بالك بنصر لم يكن ؟!
فأعداء المسلمين يفرحون أن يأخذ المسلمون الربا، وإن كانوا يكرهون أن يأخذوه من جهة أخرى، لكن يفرحون؛ لأن المسلمين إذا وقعوا في المعاصي هزموا .
فكل هذه المفاسد الثمانية التي حضرتني الآن، واحد منها يكفي في منع أخذ هذه الفوائد من البنوك، ولا أظن أحداً يتبصر في الأمر ويتدبره تدبراً كاملاً إلا وجد أن القول الصواب في هذه المسألة: إنه لا يجوز أخذه. وهذا الذي أقول به وأفتي به، فإن كان صواباً فمن الله وهو المانّ به، والحمد لله عليه، وإن كان خطأً فإنه مني، ولكن أرجو أن يكون صواباً بما ذكرته من الحكم والأدلة السمعية .


ـــــــــــــــــــ
مسلم (1218).
وكذا في الأصل المطبوع، والظاهر أن كلمة (وقوع) اسم إن) مؤخر فتكون منصوبة. لكن يصح الرفع بتقدير اسم (إن) ضمير الشأن فتكون (وقوع) خبرها.
هكذا في المطبوع، ولعلها خطأ طباعي، والصحيح: (لكن إذا قام يقلبه بيده).

المفتي: سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين