حكم الحلف بغير الله

السؤال

ما حكم الحلف بغير الله تعالى ؟ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال: quot;أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَquot; ؟


ــــــــــــــــــــ
مسلم (9-11) .

الجواب

الحلف بغير الله عز وجل مثل أن يقول: (وحياتك) أو (وحياتي) أو (والسيد الرئيس) أو (والشعب) .. كل هذا محرم، بل هو من الشرك؛ لأن هذا النوع من التعظيم لا يصح إلا لله عز وجل، ومن عظّم غير الله بما لا يكون إلا لله فهو مشرك. لكن لما كان هذا الحالف لا يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله لم يكن الشرك شركاً أكبر؛ بل كان شركاً أصغر، فمن حلف بغير الله فقد أشرك شركاً أصغر .
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ، وقال صلى الله عليه وسلم: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ ؛ فلا تحلف بغير الله أياًّ كان المحلوف به، حتى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم، أو جبريل عليه السلام، أو من دونهم من الرسل أومن الملائكة أو البشر، أو من دون الرسل، فلا تحلف بشيء سوى الله عز وجل .
أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ؛ فهذه الكلمة: وأبيه اختلف الحفاظ فيها: فمنهم من أنكرها وقال: لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبناء على ذلك فلا إشكال في الموضوع؛ لأن المعارض لابد أن يكون قائماً، وإذا لم يكن المعارض قائماً، فهو غير مقام ولا يلتفت إليه .
وعلى القول بأنها ثابتة - أي كلمة (وأبيه) - فإن الجواب على ذلك: أن هذا من المُشْكِل، والحلف بغير الله من الواضح - أي من المُحْكَم - فيكون لدينا محكم ومتشابه، وطريق الراسخين في العلم في ذلك أن يدعوا المتشابه ويأخذوا بالمحكم؛ قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}[آل عِـمرَان: 7] .
ووجه كونه متشابهاً: أن فيه احتمالات كثيرة؛ فقد يكون هذا قبل النهي، وقد يكون هذا خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لبعد الشرك بحقه، وقد يكون هذا مما يجري على اللسان بغير قصد، ولما كانت هذه الاحتمالات واردة على هذه الكلمة إن صحت عن الرسول صلى الله عليه وسلم - صار الواجب علينا أن نأخذ بالمحكم؛ وهو النهي عن الحلف بغير الله .
ولكن قد يقول بعض الناس: إن الحلف بغير الله قد جرى على لسانه ويصعب عليه أن يدعه؛ فما الجواب ؟
نقول: إن هذا ليس بحجة؛ بل جاهِد نفسك على تركه والخروج منه .
وأذكر أنني قد نهيت رجلاً يقول والنَّبِي ، وكان يخاطبني في شيء فقال: والنبي لا أَعُودُ لها ، فهو قالها على أساس أنه يؤكد أنه لن يعود لها، لكنها تجري على لسانه. فنقول: حاول بقدر ما تستطيع أن تمحو من لسانك هذه الكلمة؛ لأنها شرك، والشرك خطره عظيم ولو كان أصغر، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: (إن الشرك لا يغفرُهُ الله ولو كان أصغر) .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لَأَن أَحْلِفَ بالله كاذباً أحبُّ إليَّ مِن أن أحلف بغيرِهِ صادقاً .
قال شيخ الإسلام: وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة.


ــــــــــــــــــــــ
البخاري (6108) وأطرافه في (2679)، ومسلم (1646) - (3) .
أبو داود (3251)، والترمذي (1535)، وقال: حديث حسن، والحاكم 4/297 (7814) وصححه ووافقه الذهبي.
مسلم (9-11) .
ابن أبي شيبة (12281)، والطبراني في الكبير (8902)، قال الهيثمي في المجمع (4/177): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح .
يعني ابن تيمية رحمه الله.
انظر: الفروع لابن مفلح (6/303)، بمعناه.

المفتي: سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين