حكم كثرة الحلف صدقاً وكذباً

السؤال

لي قريب يكثر الحلف بالله صدقاً وكذبا ً .. ما حكم ذلك ؟

الجواب

ينصح ويقال له: ينبغي لك عدم الإكثار من الحلف، ولو كنت صادقاً؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}[المـَـائدة: 89]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يُكَلِّمُهُم الله، ولا يَنْظُرُ إليهم يوم القيامة، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وعائِلٌ مستكبِر، ورجل جعل اللهَ بضاعَتَهُ: لا يشتري إلا بيمِينِه ولا يبيعُ إلا بيمينه. وكانت العرب تمدح بِقِلَّةِ الأَيْمَان كما قال الشاعر:
قليلُ الأَلاَيا حافِظٌ ليَمينِه
إذا صَدَرتْ منهُ الألِيَّةُ برَّت
والألِيَّة: هي اليمين .
فالمشروع للمؤمن أن يقلل من الأيمان ولو كان صدقاً؛ لأن الإكثار منها قد يوقعه في الكذب .
ومعلوم أن الكذب حرام، وإذا كان مع اليمين صار أشد تحريماً، لكن لو دعت الضرورة أو المصلحة الراجحة إلى الحلف الكاذب فلا حرج في ذلك - لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس الكذَّاب الذي يُصلِحُ بين الناس؛ فيقول خيراً أو يَنْمِي خيراً . وقالت: ولم أسمعه يُرَخِّص في شيء مما يقول الناس كَذِبٌ إلا في ثلاث: الْحَرْبُ، وَالإِصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا .
فإذا قال في إصلاح بين الناس: والله إن أصحابك يحبون الصلح ويحبون أن تتفق الكلمة، ويريدون كذا وكذا، ثم أتى الآخرين وقال لهم مثل ذلك، ومقصده الخير والإصلاح فلا بأس بذلك للحديث المذكور.
وهكذا لو رأى إنساناً يريد أن يقتل شخصًا ظلماً أو يظلمه في شيء آخر، فقال له: والله إنه أخي، حتى يخلصه من هذا الظالم إذا كان يريد قتله بغير حق أو ضربه بغير حق، وهو يعلم أنه إذا قال: أخي تركه احتراماً له، وجب عليه مثل هذا لمصلحة تخليص أخيه من الظلم .
والمقصود: أن الأصل في الأيمان الكاذبة المنع والتحريم؛ إلا إذا ترتب عليها مصلحة كبرى أعظم من الكذب، كما في الثلاث المذكورة في الحديث السابق .


ـــــــــــــــــــــ
الطبراني في الكبير (6111)، وفي الأوسط (5577)، وفي الصغير (821) باختلاف يسير. قال الهيثمي في المجمع (4/78): رجاله رجال الصحيح .
القائل هو: كُـثَـيِّر عزَّة (ت/ 105هـ).
البخاري (2692) مقتصراً على الجزء الأول منه، ومسلم (2605).

المفتي: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز