حكم التعليم المختلط وشروط التوبة

السؤال

شاب يقول: إنه من أسرة غنية يدرس في مدرسة مختلطة؛ مما ساعده على إقامة علاقات شائنة مع الجنس الآخر، وقد غرق في المعاصي؛ فماذا يفعل حتى يقلع عما هو فيه ؟ وهل له من توبة ؟ وما شروط هذه التوبة ؟

الجواب

في هذا السؤال مسألتان:
الأولى: ما ينبغي أن نوجهه للمسؤولين في الدول الإسلامية حيث مكّنوا شعوبهم من الدراسة في مدارس مختلطة؛ لأن هذا الوضع مخالف للشريعة الإسلامية وما ينبغي أن يكون عليه المسلمون.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ صُفُوفِ النساءِ آخِرُها، وشَرُّها أَوَّلُها ؛ وذلك لأن الصف الأول قريب من الرجال، والصف الآخر بعيد منهم، فإذا كان التباعد بين الرجال والنساء وعدم الاختلاط بينهم مرغباً فيه حتى في أماكن العبادة: كالصلاة؛ التي يشعر المصلي بها بأنه بين يدي ربه بعيداً عما يتعلق بالدنيا، فما بالك إذا كان الاختلاط في المدارس ؟! أفلا يكون التباعد وترك الاختلاط أولى ؟! إن اختلاط الرجال بالنساء لفتنة كبرى زيّنها أعداؤنا حتى وقع فيها الكثير منا.
وفي صحيح البخاري: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سَلَّم قام النساء حين يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وهو يَمْكُثُ في مَقامِه يسيراً قبل أنْ يَقوم). قال: نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال.
إن على المسؤولين في الدول الإسلامية أن يولوا هذا الأمر عنايتهم، وأن يحموا شعوبهم من أسباب الشر والفتنة؛ فإن الله تعالى سوف يسألهم عمن ولاهم عليه. وليعلموا أنهم متى أطاعوا الله تعالى وحكَّموا شرعه في كل قليل وكثير من أمورهم فإن الله تعالى سيجمع القلوب عليهم ويملؤها محبة ونصحاً لهم، وييسر لهم أمورهم وتدين لهم شعوبهم بالولاء والطاعة.
ولتفكر الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين بما حصل من الشر والفساد في ذلك الاختلاط، وأجلى مثال لذلك وأكبر شاهد ما ذكره هذا السائل من العلاقات الشائنة التي يحاول الآن التخلص من آثارها وآثامها.
إن فتنة الاختلاط يمكن القضاء عليها بصدق النية والعزيمة الأكيدة على الإصلاح؛ وذلك بإنشاء مدارس ومعاهد وكليات وجامعات تختص بالنساء ولا يشاركهن فيها الرجال.
وإذا كان النساء شقائق الرجال فلهن الحق في تعلم ما ينفعهن كما الرجال، لكن لهم علينا أن يكون حقل تعليمهن في منأى عن حقل تعليم الرجال، وفي صحيح البخاري: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ذَهَب الرجال بِحَدِيثِكَ؛ فَاجْعَلْ لنا مِنْ نَفْسِكَ يوماً نَأْتِيَكَ فيه تُعَلِّمُنَا مما عَلَّمَك الله، قال: اِجْتَمِعْنَ في يومِ كَذَا وكَذَا في مكانِ كَذَا وكَذَا؛ فاجْتَمَعْنَ فأتاهُنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلَّمَهُنّ مما علَّمه الله). الحديث. وهو ظاهر في إفراد النساء للتعليم في مكان خاص؛ إذ لم يقل لهن: ألا تحضرن مع الرجال. أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين عموماً للسير على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لينالوا بذلك العزة والكرامة في الدنيا والآخرة.
أما المسألة الثانية: فهي سؤال السائل الذي ذكر عن نفسه أنه غارق في المعاصي بإقامة العلاقات الشائنة بالجنس الآخر، ماذا يفعل وهل له من توبة وما شروطها، فإني أبشره أن باب التوبة مفتوح لكل تائب، وأن الله يحب التوابين ويغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها؛ قال الله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *}[الزُّمـَـر].
فإذا تبت عن هذا العمل الذي جرى منك فإن الله تعالى يبدّل سيئاتك حسنات، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلـهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا *}[الفـُـرقان].
وأما شروط التوبة فهي خمس:
الشرط الأول: أن تكون التوبة خالصة لله عز وجل؛ لا رياء فيها ولا خشية أحد من المخلوقين، وإنما تكون ابتغاء مرضاة الله تعالى لأن كل عمل يتقرب به الإنسان إلى ربه غير مخلص له فيه فإنه حابط باطل، قال الله تعالى في الحديث القدسي: أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرك؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فيهِ أحداً غيرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَه.
والشرط الثاني: أن يندم على ما فعله من الذنب ويتأثر، ويرى نفسه خاطئاً في ذلك حتى يشعر أنه محتاج لمغفرة الله وعفوه.
الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب إن كان متلبساً به؛ لأنه لا توبة مع الإصرار على الذنب، فلو قال المذنب: إني تائب من الذنب، وهو يمارسه: لعُدَّ ذلك من الاستهزاء بالله عز وجل. إنك لو خاطبت أحداً من المخلوقين وقلت له: إنني نادم على ما بدر مني لك من سوء الأدب - وأنت تمارس سوء الأدب معه - فكأنك تستهزئ به، والرب عز وجل أعظم وأجلّ من أن تدّعي أنك تبت من معصيته، وأنت مصرٌّ عليها.
الشرط الرابع: العزم على ألا يعود إلى المعصية في المستقبل.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتها الذي تقبل فيه من التائب؛ بأن تكون قبل أن يعاين الإنسان الموت وقبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ فإن كانت بعد طلوع الشمس من مغربها لن تنفع؛ لقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ *}[الأنعـَـام]. وهذا البعض هو طلوع الشمس من مغربها، كذلك عند حضور الموت؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآْنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *}[النّـِسـَـاء].
هذه الشروط الخمسة إن تحققت فيك فإن توبتك مقبولة؛ إن شاء الله.
ــــــــــــــــ

مسلم (440) بزيادة في أوله.
البخاري (837، 849، 850، 870).
القائل هو: ابن شهاب الزهري رحمه الله.
البخاري (730)، وأطرافه في (101)، ومسلم (2633).
مسلم (2985).

المفتي: سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين