هل تحكيم القوانين من الكفر الأكبر ؟

السؤال

هل تحكيم القوانين من الكفر الأكبر ؟

الجواب

إن من الكفر الأكبر المستبين: تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[النّـِسـَـاء: 59]، وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}[النّـِسـَـاء].
ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم بقوله جلّ شأنه: {ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}، والحرج الضيق؛ بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين؛ حتى يضموا إليهما (التسليم) وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بحيث يتخلوا هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد وهو قوله جل شأنه {تَسْلِيمًا} المبين أنه لا يكتفى هاهنا بالتسليم. بل لا بد من التسليم المطلق.
- إلى أن قال رحمه الله: قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المَائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[المَائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[المَائدة: 47].
فانظر كيف سجل الله تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله بالكفر والظلم والفسوق؛ ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه وتعالى الحاكم بغير ما أنزل الله (كافرًا) ولا يكون كافرًا؛ بل هو كافر مطلقًا: إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد.
وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر: إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة.
أما الأول: وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع:
أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي. وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم؛ فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعًا مجمعًا عليه أو أنكر حرفًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قطعيًا فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.
الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقًا؛ لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع: إما مطلقًا، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال. وهذا أيضًا لا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصِرْفِ نحاتة الأفكار على حكم الحكيم الحميد.
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصًا أو ظاهرًا أو استنباطًا أو غير ذلك، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله.
وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قَلَّ نصيبهم أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها؛ حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية؛ ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها،مهما أمكنهم؛ فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه. وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان - مراد العلماء منه ما كان مستصحبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يعولون إلا على ما يلائم مراداتهم كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد.
الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله. فهذا كالنوعين اللذين قبله في كونه كافرًا الكفر الناقل عن الملة؛ لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشّـورى: 11]، ونحوها من الآيات الكريمة الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه؛ لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله؛ فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه؛ لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القطعية تحريمه.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتأصيلاً وتفريعًا وتشكيلاً وتنويعًا وحكمًا وإلزامًا ومراجعَ مستمدات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة: كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة، وغير ذلك؛ فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة لشهادة (أن محمدًا رسول الله) بعد هذه المناقضة ؟!!
وذكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة لا يحتمل ذكرها هذا الموضع.
فيا معشر العقلاء، ويا جماعات الأذكياء، وأولى النُّهَى - كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ؛ بل خطؤهم أكثر من صوابهم بكثير؛ بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله نصًا أو استنباطًا، تدعونهم يحكمون في أنفسكم، ودمائكم، وأبشاركم، وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم، وسائر حقوقكم؛ ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد ؟!!!
وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه؛ فكما لا يسجد الخلق إلا لله ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم، الحميد الرؤوف الرحيم؛ دون حكم المخلوق الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات. فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه لما فيه من الاستعباد لهم والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض والأغلاط والأخطاء، فضلاً عن كونه كفرًا بنص قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المـَـائدة: 44].
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها سلومهم؛ يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحملون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله. وهو الذي لا يخرج عن الملة؛ فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المـَـائدة: 44]، قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: كفر دون كفر. وقوله أيضاً: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. اهـ. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى؛ أكبر من الكبائر: كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها؛ فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها كفرًا. نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه انقياداً ورضاء؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.


ـــــــــــــــــــ
انظر: تفسير ابن كثير (2/62).
وهو كفر العمل.
انظر: تفسير ابن كثير (2/62).

المفتي: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ