حكم الاستعانة بالجن في معرفة المغيَّبات والتنويم المغناطيسي

السؤال

ما حكم الإسلام في الذي يستعين بالجن في معرفة المغيبات كضرب المندل ؟ وما حكم الإسلام في التنويم المغناطيسي ؟ وبه تقوى قدرة المنوِّم على الإيحاء بالمنوِّم وبالتالي السيطرة عليه وجعله يترك محرمًا أو يشفى من مرض عصبي أو يقوم بالعمل الذي يطلب المنوِّم ؟

الجواب

أولاً: علم المغيبات من اختصاص الله تعالى فلا يعلمها أحد من خلقه؛ لا جني ولاغيره إلا ما أوحى الله به إلى من شاء من ملائكته أو رسله - قال الله تعالى: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ}[النَّـمل: 65]، وقال تعالى في شأن نبيه سليمان عليه السلام ومن سخره له من الجن: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الأَْرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ *}[سـَـبَأ]، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا *}[الجـنّ].
وثبت عن النواس بن سمعان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أرادَ الله تعالى أن يُوحِيَ بالأمرِ تَكَلَّمَ بالوَحْي أَخَذَتِ السموات منه رَجْفَةٌ أو قال: رِعْدَةٌ شديدةٌ خوفًا من الله عز وجل؛ فإذا سَمِعَ ذلك أهل السموات صُعِقُوا وخَرُّوا لله سُجَّدًا؛ فيكون أولُ مَنْ يرفع رأسَهُ جبريلُ فيُكلِّمُه اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بما أراد، ثم يَمُرُّ جبريل بالملائكة كلما مَرَّ بسماءٍ قال ملائكَتُها: ماذا قال ربُّنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل: قال الحقَّ وهو العَلِيُّ الكبير؛ فيقولون كلُّهم مِثْلَ ما قال جبريل. فَيَنْتَهِي جبريل بالوحيِ إلى حيثُ أمرَهُ الله عز وجل.
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا قَضَى اللهُ الأمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ؛ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ؛ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ - وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ؛ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ؛ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ؛ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كذْبَةٍ؛ فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؛ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ.
وعلى هذا لا يجوز الاستعانة بالجن وغيرهم من المخلوقات في معرفة المغيبات: لا بدعائهم والتزلف إليهم ولا بضرب مَنْدَل أو غيره؛ بل ذلك شرك؛ لأنه نوع من العبادة، وقد أعلم الله عباده أن يخصوه بها فيقولوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}[الفَـاتِحـَـة]؛ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ الحديث.
ثانياً: التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة باستخدام جني؛ حتى يسلطه المنوِّم على المنوَّم فيتكلم بلسانه ويكسبه قوة على بعض الأعمال بالسيطرة عليه إن صدق مع المنوِّم وكان طوعًا له مقابل ما يتقرب به المنوِّم إليه، ويجعل ذلك الجني المنوَّم طوع إرادة المنوِّم بما يطلبه منه من الأعمال أو الأخبار بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوِّم. وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي واتخاذه طريقًا أو وسيلة للدلالة على مكانة سرقة أو ضالة أو علاج مريض أو القيام بأي عمل آخر بواسطة المنوِّم - غير جائز؛ بل هو شرك؛ لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية التي جعلها سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــ
ابن أبي عاصم في السنة (515)، وابن خزيمة في التوحيد: (1/349)، والطبراني في مسند الشاميين (591). والبيهقي في الأسماء والصفات 1/511 (435) .
هو سفيان بن عيينة رحمه الله، أحد الرواة في سند هذا الحديث.
البخاري (4800).
المَنْدَل: ضَرْبٌ من الكهانة يستدل به على الضائع أو المسروق. المعجم الوسيط.
أحمد (1/293، 303، 307)، والترمذي (2516)، وقال: حسن صحيح ، والطبراني في الأوسط (5417)، والكبير (11243، 11416، 11560، 12988)، وأبو يعلى في مسنده (2556)، والبيهقي في شعب الإيمان (195، 1074، 10000).

المفتي: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء