اعتقاد المسلم في عيسى (عليه السلام)

السؤال

هل عيسى حي أو ميت في نظر القرآن الكريم والسنة المطهرة ؟

الجواب

ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام لم يزل حيًا، وأن الله رفعه إلى السماء، وأنه سينزل آخر الزمان عدلاً يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى ما جاء به من الحق، وعلى ذلك دلت نصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، قال الله تعالى - في فرية اليهود والرد عليها: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا *}[النّـِسـَـاء]؛ فأنكر سبحانه على اليهود زعمهم أنهم قتلوه أو صلبوه، وأخبر أنه رفعه إليه رحمة به وتكريمًا له، وجعل ذلك آية من آياته التي يؤتيها من شاء من رسله، وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم عليه السلام أولاً وآخراً، ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا *}[النّـِسـَـاء]، فأخبر سبحانه بأن جميع أهل الكتاب سوف يؤمنون بعيسى عليه السلام قبل موته، أي: موت عيسى عليه السلام، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكمًا عدلاً داعيًا إلى الإسلام، كما سيجيء بيانه في حديث نزوله، وهذا المعنى هو المتعين؛ فإن الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى عليه السلام وصنيعهم معه ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى عليه السلام رعاية لسياق الكلام، وتوحيدًا لمرجع الضميرين. وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نَفْسي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أن يَنْزِلَ فيكمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصليب، ويَقْتُلَ الخِنْزِير، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، ويَفِيضَ المالُ حتى لا يَقْبَلَهُ أَحَد ؛ قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ...} [النّـِسـَـاء: 159] الآية. وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كَيْفَ أنتُم إذا نَزَل فيكمُ ابْنُ مريمَ وإِمامُكُم منكم ، وثبت في الصحيح أيضًا: أن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتِي يُقاتلون على الحقِّ ظَاهِرين إلى يوم القيامة قال: فَيَنْزِلُ عيسى ابْنُ مريمَ صلى الله عليه وسلم فيقول أميرُهُم: تعالَ صَلِّ لَنَا، فيقول: لا، إنَّ بعضَكُم على بعضٍ أُمَراء؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّة. فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزول عيسى عليه السلام من هذه الأمة، وعلى ذلك لا تكون هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث لم يأت عيسى عليه السلام برسالة جديدة، ولله الحكم أولاً وآخرًا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم.
فمن زعم أن عيسى - عليه الصلاة والسلام - صلب أو قتل فهو كافر؛ لمخالفته لصريح القرآن، ولما ثبت من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال من المسلمين: إن الله تعالى أمات عيسى - عليه الصلاة والسلام - موتًا حقيقيًا، ثم رفعه إليه حينما كاد له اليهود وعزموا على صلبه وقتله؛ فقد شذ عن جماعة المسلمين وضل عن سواء السبيل؛ لمخالفته ظواهر نصوص القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي حداهم إلى هذا فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}[آل عِـمرَان، من الآية: 55]، حيث فسر التوفي بالإماتة؛ فخالف بذلك ما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله إياه من الأرض ورفعه إليه حيًا وتخليصه بذلك من الذين كفروا؛ جمعًا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على رفعه حيًا وعلى نزوله آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعاً وغيرهم به. وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من تفسير التوفي هنا بالإماتة فغير صحيح لانقطاع سنده إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، وإنما روى عنه بواسطة، ولم يصح أيضًا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب، ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالاً في معنى التوفي، فإنه قد فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنًا وروحًا ورفعه إليه حيًا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى؛ جمعا بين الأدلة، وردًا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
وكذلك القول في اختلافهم في تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَْلْبَابِ *}[آل عِـمرَان]، ثم إن من يقول بإماتة الله لعيسى عليه السلام حين كاد له اليهود إما أن يعترف بنزول عيسى عليه السلام آخر الزمان عملاً بما ورد من الأحاديث الصحيحة في ذلك وإما أن ينكر نزوله، فإن اعترف به لزمه أن يثبت لعيسى عليه السلام موتًا ثم حياة في الدنيا ثم موتا عند الكيد والرفع ثم حياة ثم موتاً بعد النزول ثم حياة عند البعث، وهذا مخالف بلا دليل لقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *}[البَقـَـرَة]، ولقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ *}[غـَـافر]، وإن أنكر نزوله بعد رفعه كان رادًا للأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول عند علماء المسلمين الشاهدة شهادة صريحة بنزوله ودعوته إلى الحق وحكمه به وقتله الخنزير وكسره الصليب .. إلخ ما ثبت من أحواله بعد نزوله، وكلا الأمرين لا مخلص منه إلا بالقول بما قال به أهل السنة والجماعة من إنجاء الله عيسى عليه السلام من كيد اليهود ورفعه إليه بدنًا وروحًا، وإنزاله آخر الزمان حكمًا عدلاً.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــ
البخاري (3448)، ومسلم (155).
البخاري (3449)، ومسلم (155).
مسلم (156).

المفتي: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء